اليـسار مُـحَمَّـدْ
01-03-2010, 12:29 PM
من بينِ أحضان الضياع الذي يكتَنِفُني ويحتفي بي، والقلق المسدور على وجهي، ومن خلف لهيب النار التي تكبُرُ في صدري يوماً بعد يومٍ حاطبةً قلبي لتستمد العُمُرَ منهُ، تتبخر كلماتي في سماء رأسكَ كي تشكل غيوماً ترعد بصرخاتِ الاستغاثةِ بكَ منكَ، وتهطل بكلماتي المشفقة عليَّ منكَ، لعلّ الرعد يصدحُ في عمقكَ المنهكِ فيستفيق من كبوة أغفته في كهوف الوحشة والبعد عن الذات، ولعل أمطار الحروف تبدد عن قلبك كلّة النوم التي يستتر خلفها في غفوة طال زمانها.
أكتب إليك بعد أن غمغم الصدر متمرداً ..رافضاً هذا الواقع الخياليّ، وبعد أن رفَت الشفاه ناطقة دونما استئذان، فالأمر ما عاد بحاجة إلى الإستئذان،لأن الشعب قد مل العيش في هامش رأسك،وفي لحد ذاكرتك. إنها إرادة الشعب التي حُملت على أجنحة الفطرة الراغبة بالحياة،والتي اشرأبت أعناقها تطلب النور والانفتاح، فلقد ملت هذا الرتاج الصادّ للحياة في ذاتك.
أمضيت حياتك تأخذ منك وتعطي غيرك،تُغفي آلامك وتأن لسقم الآخرين، تشكو علتهم وتصرخ:"إنَّ أيوب قد مسه الضر" ولعلتك الصبر جميل، حتى كبرت آلامك فصارت كالخضم، فإياك أن تظن بأنك النبي المرسل اليهم فليس في النبي علّة.
رحت تُبشِّـرُ الآخر وتنصت إليه،لكنك يوماً لم تصغ إلى ذاتك الذي يحن إليك، ويرنو إلى أن تقف فيه خاطباً، وسائلاً عن شكواه ،ماسحاً عن جراحه، لأنك كما الأب بالنسبة إليه حين تُقوّمُ اعوجاجه، وتداري سذاجته، وتداعب طفولته، إنك كالأب حين تكون مرآته فيرى نفسه فيك،وحين تروي براعمه منك فيكون لك نوراً يمتع ناظريك، وثمرةً تشتهيها الأنفس.
وكالأم أنت بالنسبة له حين ينضح صدرها بالدفئ ليدرأ عنه لدغ أطفال الرياح التي ُتقرّص جنبيه، وحين تحيطه بساعديها برقة النسيم فلا ينكسر، وبلهفة الحب الفطري فلا يضيع ويمضي إلى الليل مستوحشاً طالبا أحضانه،وفي قلبه رعدة الغيوم حين تنوء بحملها.
إن ذاتك إن أُغلقت عليها الأبواب وأقصيت عنك إلى ركن بعيد لترزح فيه سنين طويلة، ستغبر لا محال -وما الغبار إلا هفوات الحياة ونزواتها، وستختفي عن غصونها بسمة الصباح الندية الرقراقة، لتصبح غصوناً دكناء مليئة بالسكون الشجي، ومترعة بالخريف الذي يقلب أوراقها المصفرة ذات اليمين وذات الشمال.
فانظر إلى الآكام العظيمة العارية لتراها بعد سنين قد صغرت حتى بلغت أدنى الأرض، وانظر الى الآكام التي تتوِّجها الأدواح، وتنسج لها الآجام ثوباً من خضار يبهر الأنظار،فتنحني لها العاتيات من الرياح إجلالاً، على غرار العاريات من الآكام حين تصفعها الرياح فتسويها بالأرض ولو بعد حين .
هو أنت هكذا بي وأنا بك هكذا، فالذات التي ينبذها صاحبها ويتركها للزمن،هي كمن يترك طفلا ليدلج الليل وحده في الصحارى بين الذئاب والضباع، فإن عاش فاعلم أنه منها ، لأنه لا يقدر على عيشة الذئاب إلا ذئب مثلها، وإن مات فالقاتل والنائح أنت.
إنك تشكو الوهن والضعف لأنك لم تدرك بعد أسرارك وخفاياك، ومن لا يدرك أسراره وخفاياه ﻻ يقدر أن يمتلك على بارود القوة و الذي يمده بمقاليد السلطة ، وليس ذلك إلا لأنك ما تزال تنظر من نفسك لترى العالم، لكنك لم تجرب قط أن تنظر إليك منك لترى العالم الذي يسكنك.
فلو أنت أمعنت النظر في ذاتك لأدركت مدى اتساعها، ولو أنك ألقيت النظر في عمقك لضعت في أكنافه، ولكنك حين تعود تكون قد أدركت كل أسرارك، و أشعلت كل المشاعل في طرقات ذاتك فلا تتوه مرة أخرى، وإن النور ليشحن روحك ويقوي عزيمتك فلا تشكو الضعف والوهن حينها، لأن النفس لا تسقم إلا إذا ضاقت بأسرارها المكومة خلف جدار الجهل.
و اعلم أن الذات أيضاً كما البحر، و من لم يدرك ذاته سيغرق حتماً، فالبحر إن أنت روضت أمواجه سار بك إلى شطآن النجاة، وإن أنت أتيتها ومررت عنها دون انتباه فلن تراك، ولكنها ستعلوك ومن ثم تعلوك أمواج باطن البحر حتى تبلغ قعره، وهناك ليس إلا الظلام في غياهب البحار، ومهما صرخت فلن يصيخ إليك سمعٌ، فالبعد يشرب صيحتك والظلام يقتل أنفاسك.
فعد لذاتك قبل فوات الأوان، فالبين يولد المسافات، و المتاهات و يرفع الجدران والحواجز، فإذا أنت أدمنت البعد عن ذاتك ستكف ذاتك عن إدمانك، وسيمضي كل منكما يبحث عن أفيون بديل،وإن الإنفصال عن الذات يقتل التجانس ويولد النقائض، فيدخل الليل في النهار و ينبلج منهما زمان جديد ليس لك فيه ميقات.
عد فليست الغاية مبرراً للوسيلة، فإن أنت أردت أن تلملم شظايا الآخرين ، فلا بد أن تكون جسداً متماسكاً متناغماً ،حينها ستكون تلك المرآة التي ينظر الناس منها الى أنفسهم ، فإن بقيت مشتت الأوصال ، فلن يروا أنفسهم إلا قطعاً متفرقة بقدر الشروخ التي تملأك.
انظر إلى نفسك الآن إنك ترى و ﻻ ترى، وتسمع وﻻ تسمع، لأنك في زمان ينافي المكان. إنك قد ابتنيت منكَ مملكة من وهم في بلاد من سراب، قوانينها أنت، و أنت قانونها الأوحد ، لأنك لم تجد ذاتك إلا في هذه المملكة التي تنخرها مسيرتك نحوك!.
و عليك أن تعلم أنك أنت الشعب والحاكم، و لأن غرورك ليس له حدود فإنه لاشك أنك ستمارس سلطانك المريض على نفسك السقيمة ،فتعاقب نفسك بتتويجها وتكريمها وتقريبها من بلاطك .
و ستعمل على إكرامها بسقوطك من برج الوهم ..و أخشى أنك لن تقول حينها : (آه)...يقيناً ستقول : أين ذهب سلطاني ..وستعيد البحث عنه، لأنك لا ترغب بالشفاء فالوهم يسكن أرجاءك الخاوية، وكم أتمنى لك الموت..فالموت بداية الميلاد، فلماذا ﻻ تمارس الموت كـي تولد، فالموت بداية حياةٍ،بدلاً من البحث عن فانٍ لا يعود إلا طيفاً في حلم عابر الأحداث!؟.
.
.
.
.
اليسار/محمد مصطفى
2007-حزيران.
* كنت قد نشرتها من قبل.
أكتب إليك بعد أن غمغم الصدر متمرداً ..رافضاً هذا الواقع الخياليّ، وبعد أن رفَت الشفاه ناطقة دونما استئذان، فالأمر ما عاد بحاجة إلى الإستئذان،لأن الشعب قد مل العيش في هامش رأسك،وفي لحد ذاكرتك. إنها إرادة الشعب التي حُملت على أجنحة الفطرة الراغبة بالحياة،والتي اشرأبت أعناقها تطلب النور والانفتاح، فلقد ملت هذا الرتاج الصادّ للحياة في ذاتك.
أمضيت حياتك تأخذ منك وتعطي غيرك،تُغفي آلامك وتأن لسقم الآخرين، تشكو علتهم وتصرخ:"إنَّ أيوب قد مسه الضر" ولعلتك الصبر جميل، حتى كبرت آلامك فصارت كالخضم، فإياك أن تظن بأنك النبي المرسل اليهم فليس في النبي علّة.
رحت تُبشِّـرُ الآخر وتنصت إليه،لكنك يوماً لم تصغ إلى ذاتك الذي يحن إليك، ويرنو إلى أن تقف فيه خاطباً، وسائلاً عن شكواه ،ماسحاً عن جراحه، لأنك كما الأب بالنسبة إليه حين تُقوّمُ اعوجاجه، وتداري سذاجته، وتداعب طفولته، إنك كالأب حين تكون مرآته فيرى نفسه فيك،وحين تروي براعمه منك فيكون لك نوراً يمتع ناظريك، وثمرةً تشتهيها الأنفس.
وكالأم أنت بالنسبة له حين ينضح صدرها بالدفئ ليدرأ عنه لدغ أطفال الرياح التي ُتقرّص جنبيه، وحين تحيطه بساعديها برقة النسيم فلا ينكسر، وبلهفة الحب الفطري فلا يضيع ويمضي إلى الليل مستوحشاً طالبا أحضانه،وفي قلبه رعدة الغيوم حين تنوء بحملها.
إن ذاتك إن أُغلقت عليها الأبواب وأقصيت عنك إلى ركن بعيد لترزح فيه سنين طويلة، ستغبر لا محال -وما الغبار إلا هفوات الحياة ونزواتها، وستختفي عن غصونها بسمة الصباح الندية الرقراقة، لتصبح غصوناً دكناء مليئة بالسكون الشجي، ومترعة بالخريف الذي يقلب أوراقها المصفرة ذات اليمين وذات الشمال.
فانظر إلى الآكام العظيمة العارية لتراها بعد سنين قد صغرت حتى بلغت أدنى الأرض، وانظر الى الآكام التي تتوِّجها الأدواح، وتنسج لها الآجام ثوباً من خضار يبهر الأنظار،فتنحني لها العاتيات من الرياح إجلالاً، على غرار العاريات من الآكام حين تصفعها الرياح فتسويها بالأرض ولو بعد حين .
هو أنت هكذا بي وأنا بك هكذا، فالذات التي ينبذها صاحبها ويتركها للزمن،هي كمن يترك طفلا ليدلج الليل وحده في الصحارى بين الذئاب والضباع، فإن عاش فاعلم أنه منها ، لأنه لا يقدر على عيشة الذئاب إلا ذئب مثلها، وإن مات فالقاتل والنائح أنت.
إنك تشكو الوهن والضعف لأنك لم تدرك بعد أسرارك وخفاياك، ومن لا يدرك أسراره وخفاياه ﻻ يقدر أن يمتلك على بارود القوة و الذي يمده بمقاليد السلطة ، وليس ذلك إلا لأنك ما تزال تنظر من نفسك لترى العالم، لكنك لم تجرب قط أن تنظر إليك منك لترى العالم الذي يسكنك.
فلو أنت أمعنت النظر في ذاتك لأدركت مدى اتساعها، ولو أنك ألقيت النظر في عمقك لضعت في أكنافه، ولكنك حين تعود تكون قد أدركت كل أسرارك، و أشعلت كل المشاعل في طرقات ذاتك فلا تتوه مرة أخرى، وإن النور ليشحن روحك ويقوي عزيمتك فلا تشكو الضعف والوهن حينها، لأن النفس لا تسقم إلا إذا ضاقت بأسرارها المكومة خلف جدار الجهل.
و اعلم أن الذات أيضاً كما البحر، و من لم يدرك ذاته سيغرق حتماً، فالبحر إن أنت روضت أمواجه سار بك إلى شطآن النجاة، وإن أنت أتيتها ومررت عنها دون انتباه فلن تراك، ولكنها ستعلوك ومن ثم تعلوك أمواج باطن البحر حتى تبلغ قعره، وهناك ليس إلا الظلام في غياهب البحار، ومهما صرخت فلن يصيخ إليك سمعٌ، فالبعد يشرب صيحتك والظلام يقتل أنفاسك.
فعد لذاتك قبل فوات الأوان، فالبين يولد المسافات، و المتاهات و يرفع الجدران والحواجز، فإذا أنت أدمنت البعد عن ذاتك ستكف ذاتك عن إدمانك، وسيمضي كل منكما يبحث عن أفيون بديل،وإن الإنفصال عن الذات يقتل التجانس ويولد النقائض، فيدخل الليل في النهار و ينبلج منهما زمان جديد ليس لك فيه ميقات.
عد فليست الغاية مبرراً للوسيلة، فإن أنت أردت أن تلملم شظايا الآخرين ، فلا بد أن تكون جسداً متماسكاً متناغماً ،حينها ستكون تلك المرآة التي ينظر الناس منها الى أنفسهم ، فإن بقيت مشتت الأوصال ، فلن يروا أنفسهم إلا قطعاً متفرقة بقدر الشروخ التي تملأك.
انظر إلى نفسك الآن إنك ترى و ﻻ ترى، وتسمع وﻻ تسمع، لأنك في زمان ينافي المكان. إنك قد ابتنيت منكَ مملكة من وهم في بلاد من سراب، قوانينها أنت، و أنت قانونها الأوحد ، لأنك لم تجد ذاتك إلا في هذه المملكة التي تنخرها مسيرتك نحوك!.
و عليك أن تعلم أنك أنت الشعب والحاكم، و لأن غرورك ليس له حدود فإنه لاشك أنك ستمارس سلطانك المريض على نفسك السقيمة ،فتعاقب نفسك بتتويجها وتكريمها وتقريبها من بلاطك .
و ستعمل على إكرامها بسقوطك من برج الوهم ..و أخشى أنك لن تقول حينها : (آه)...يقيناً ستقول : أين ذهب سلطاني ..وستعيد البحث عنه، لأنك لا ترغب بالشفاء فالوهم يسكن أرجاءك الخاوية، وكم أتمنى لك الموت..فالموت بداية الميلاد، فلماذا ﻻ تمارس الموت كـي تولد، فالموت بداية حياةٍ،بدلاً من البحث عن فانٍ لا يعود إلا طيفاً في حلم عابر الأحداث!؟.
.
.
.
.
اليسار/محمد مصطفى
2007-حزيران.
* كنت قد نشرتها من قبل.